أحمد بن محمد مسكويه الرازي

182

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

« الملك الموكّل بالدنيا يقول : إن ههنا خيرا وههنا شرا ، وههنا ما ليس بخير ولا شر ، فمن عرف هذه الثلاثة حق معرفتها تخلص مني ونجا سالما ، ومن لم يعرفها قتلته شر قتلة ، وذلك اني لا أقتله وحيدا ولكني أقتله أولا أولا في زمان طويل » . فهذا المثل من نظر فيه وتأمّله عرف منه جميع ما قدمنا ذكره . 8 - السعيد لا يخرج من جو السعادة وينبغي ان يعلم أن السعيد الذي ذكرنا حاله ما دام حيا تحت هذا الفلك الدائر بكواكبه ودرجاته ، ومطالع سعوده ونحوسه ، يرد عليه من النكبات والنوائب وأنواع المحن والمصائب ما يرد على غيره ، الا انه لا يذعر منها ولا يلحقه ما يلحق غيره من المشقة في احتمالها ، لأنه غير مستعد لسرعة الانفصال منها بعادة الهلع والجزع والأحزان ، ولا قابل أثر الهموم والأحزان بالأحوال العارضة . وإن أصابه من هذه الآلام شيء فهو يقدر على ضبط نفسه كيلا تنقله عن السعادة إلى ضدها ، بل لا تخرجه عن حد السعادة البتة ، ولو ابتلى ببلايا أيوب عليه السّلام أو اضعافها ما أخرجه عن حد السعادة ، وذلك لما يجد في نفسه من المحافظة على شروط الشجاعة والصبر على ما يجزع منه أصحاب خور الطباع ، « 1 » فيكون سروره أولا بذاته وبالأحاديث الجميلة التي تنشر عنه ، ويرى أن القاتل الذي يدعي الشطارة ، والمصارع الذي يهوى الغلبة ، كل واحد منهما يصبر على شدائد عظيمة من تقطيع أعضاء نفسه ، وترك الشهوات التي يتمكن منها طلبا لما يحصل له من الغلبة وانتشار الصيت ، فيرى نفسه أحرى وأولى منهما بالصبر ، إذا كان غرضه أشرف وصيته في الفضلاء أبلغ وأشهر وأكرم ، ولأنه

--> ( 1 ) . الخور : المنخفض من الأرض بين النشزين ، أي : أصحاب الطبائع الدنيئة ، والنفوس الضعيفة .